لم يكن من المفترض أن يفاجئك وصول الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة. فبكين تريد إحكام قبضتها على غرب آسيا، ومصر تمثل المفتاح الأهم لتحقيق ذلك.
وبينما تظل واشنطن عالقة في صراعات إقليمية معقدة وتشابكات عسكرية لا تنتهي، تلعب الصين لعبة مختلفة تمامًا. فهي لا تلقي القنابل، بل تبني خطوط السكك الحديدية، وتستحوذ على مسارات الطاقة، وتبرم اتفاقيات تجارية طويلة الأجل. وتمثل زيارة شي لمصر، التي تستغرق ثلاثة أيام، أول زيارة له إلى البلاد منذ عقد، كما تعكس تحولًا كبيرًا في طريقة تنافس القوى العظمى على السيطرة على ممرات الشحن الحيوية وبناء التحالفات السياسية.
قناة السويس مفتاح التحرك الصيني
لننظر أولًا إلى الجغرافيا. عندما تتعرض شحنات النفط عبر مضيق هرمز لاضطرابات شديدة بسبب الحروب الإقليمية المستمرة، تصبح قناة السويس جوهرة الشحن العالمي. فالقاهرة تسيطر على هذا الممر المائي الحيوي، وإذا أرادت نقل البضائع من الشرق الأوسط إلى أوروبا أو آسيا دون أن تتعرض طرقها للاختناق، فإنها تحتاج إلى مصر إلى جانبها.
وتدرك الصين ذلك أكثر من أي طرف آخر. ويبلغ حجم التجارة بين بكين والقاهرة نحو 20 مليار دولار بالفعل، تدعمها استثمارات صينية مباشرة تتجاوز 10 مليارات دولار. نحن نتحدث عن مجمعات صناعية ضخمة بالقرب من القاهرة وشبكات سكك حديدية كهربائية تمتد عبر دلتا النيل.
ولا تكتفي مصر بتلقي هذه الأموال من باب المجاملة، بل تنظر القاهرة إلى هذه الشراكة باعتبارها وسيلة ذكية لتنويع علاقاتها الاقتصادية وتقليل اعتمادها الكبير على المؤسسات المالية التي تقودها الدول الغربية، لا سيما بعد انضمامها إلى مجموعة بريكس.
بكين تنافس واشنطن دبلوماسيًا واقتصاديًا
يجب النظر إلى المشهد الجيوسياسي الأوسع. فعلى مدى عقود، تعاملت الولايات المتحدة مع مصر باعتبارها شريكًا أمنيًا لا غنى عنه، مع الحفاظ على روابط عسكرية وثيقة معها. لكن الصين تدخل الآن بوصفها شريكًا اقتصاديًا بديلًا، وتقدم نفسها باعتبارها وسيطًا إقليميًا.
ولنتذكر عندما توسطت بكين في الاتفاق الدبلوماسي المفاجئ بين السعودية وإيران عام 2023. كان ذلك مجرد بداية. فالصين تريد تقديم نفسها للعالم العربي باعتبارها قوة لتحقيق الاستقرار، تحترم سيادة الدول وتتجنب التدخلات العسكرية.
وعندما استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي شي بمراسم استقبال حافلة على السجادة الحمراء في مطار القاهرة الدولي، بعث ذلك برسالة واضحة إلى واشنطن: الاقتصادات الصاعدة مستعدة للتوجه شرقًا عندما تبدو السياسة الخارجية الغربية مضطربة أو مرهقة.
العلاقات العسكرية تتجه نحو مزيد من التقارب
ولا يتعلق الأمر فقط بالاتفاقيات التجارية والابتسامات التي تتصدر الصحف الرسمية، فالتعاون الأمني يتصاعد أيضًا خلف الكواليس.
ففي أغسطس، أجرت القوات الصينية والمصرية تدريبات جوية استمرت عدة أيام في عدد من القواعد. وظهرت مقاتلات صينية من طراز «J-16» إلى جانب مقاتلات «رافال» الفرنسية الصنع التابعة للقوات الجوية المصرية، خلال تدريب قتالي مشترك. ويكشف هذا المستوى من الانخراط العسكري الكثير عن الاتجاه الذي تسلكه القاهرة في موازنة علاقاتها الاستراتيجية.
وتحاول الولايات المتحدة حاليًا خنق الروابط المالية العالمية لإيران من خلال عقوبات اقتصادية مشددة تستهدف الدول التي تشتري النفط الإيراني. ومع ذلك، تواصل الصين استيراد كميات ضخمة من النفط عبر قنوات غير مباشرة، مع تأكيدها التزامها بالقانون الدولي.
ومن خلال ترسيخ وجودها في مصر، تؤمّن بكين غطاءً دبلوماسيًا قويًا وقاعدة عمليات تمتد إلى عمق العالم العربي والقارة الأفريقية.
لذلك، لا ينبغي النظر إلى هذه الزيارات الرئاسية باعتبارها مجرد مجاملات دبلوماسية، بل باعتبارها تحركات محسوبة للاستحواذ على النفوذ العالمي. وإذا أردت فهم الاتجاه الذي ستسلكه التجارة الدولية وموازين القوة السياسية خلال العقد المقبل، فعليك أن تراقب النيل، لا واشنطن.
https://geosirius.ifz.ru/china-wants-egypt-badly-right

